كلوديوس جيمس ريج
288
رحلة ريج
كنت قد عزمت على السياحة في شهرزور ، لمشاهدة تلك المنطقة من البلاد وهي أهم مناطق كردستان من الناحية الأثرية إلا أنني أجلت السياحة على أثر مرض نجل الباشا ، وقد تحسس لذلك كثيرا ، أما الآن وقد مر الزمن وبطؤ علينا الأمر فيجب أن نتهيأ للسفر إلى الموصل . 14 تشرين الأول : ذهبت اليوم لأعزي الباشا . وكان ذلك واجبا صعبا بقدر ما كان ضروريّا وديّا وقد بدا لي بجلاء أن قلبه كاد يتفطر على الرغم من تجلده ومحاولته إخفاء ما يعانيه بكل رجولة . وقد صعب علي جدّا أن لا أشاطره أحزانه ، أو أن لا أشعر برهة كأنني فقدت ولدي . لم أر مطلقا فاضلا فياض الشعور والإحساس في أي بلد كالباشا ، إنه يحب زوجته وأولاده حبّا جمّا لا يضاهيه في ذلك إلا أحسن الرجال في أوروبا . وقد بدا عليه نوع من الذهول المخيف اعتراه بغتة فودعته وروحي مثقلة بالأحزان . ذهبت لزيارة عثمان بك ، فوجدته جالسا في جوسقه الذي لم يتم بناؤه بعد ، وهو يتمتم بالصلوات ويسبّح بمسبحة ، وعلائم الجد تعلو محياه . ومن الجلي أن بعض الأمور كانت تشغل باله ، لكنها لم تكن كلها محزنة . كلمني عن كمنجة كنت أهديتها له قبل مدة ، ورجاني أن لا أنسى شراء الأوتار له . إن ثمة فرقا كبيرا بينه وبين الباشا . ذهبت بعد الظهر لتعزية سليمان بك ، فوجدته متأثرا تأثرا لا يقل عن تأثر الباشا وإن ظهر أهدأ منه وأكثر جلدا فقدرته تقديرا زائدا على إحساسه ، وهو في الحقيقة فتى يستحق الاحترام إلا أن رزانته لا تتناسب مع عمره ، وهو متعلق كثيرا برجال الدين والدراويش وليس في تعلقه هذا مسحة من التقشف أو التعصب ، وهو يشبه في سيماه المرحوم عبد الرحمن باشا أكثر من شبهه بأخويه ، إذ إنّه أطول منهما وأكثر بدانة وعيناه الزرقاوان الجميلتان تعكسان على ملامحه صور الكرامة المطمئنة .